الشيخ محمد رشيد رضا
255
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وحدها لا يتبين بها المراد بيانا قطعيا لا يحتمل التأويل كالافعال وإن كانت في غاية الجلاء والوضوح ، ولذلك قال علي المرتضى كرم اللّه تعالى وجهه لابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عندما أرسله لمحاجة الخوارج : احملهم على السنة فان الآن ذو وجوه ، فمراده بالسنة ما ذكرناه من معناها الموافق للغة لا المعنى الاصطلاحي للمحدثين وسائر علماء الشرع الذي يشمل الاخبار القولية وغيرها فان هذه الأخبار ذات وجوه أيضا وربما كانت وجوهها التي يتوجه إليها أهل التأويل أكثر من وجوه الآن لأنها دونه في الفصاحة والبلاغة والبيان ، ولذلك أوجز الآن في بيان أحكام الدين العملية ووكل بيانها لعمل الرسول ( ص ) وهو أحال في بيانها على العمل فقال « صلوا كما رأيتموني أصلي » أقول هذا تمهيدا لتذكيرك بعدم الاغترار بما لعلك اطلعت أو تطلع عليه من الوجوه التي حمل عليها بعض المتفقهة والمصنفين في التفسير قوله تعالى في سورة النجم ( ان لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) فحرفوا الكلم عن مواضعه تارة بالتأويلات السخيفة ، وتارة بدعوى النسخ الباطلة ، وتارة بدعوى أن هاتين الآيتين من شريعة إبراهيم وموسى لا من شرعنا ، وتارة بتخصيصهما بالكفار دون المسلمين وقد غفل هؤلاء عن كون مضمون الآيتين من قواعد الدين وأصول الاسلام الثابتة على ألسنة جميع الرسل ومؤيدا بآيات كثيرة بلفظها ومعناها كآية الانعام التي نكتب هذا تتمة لتفسيرها . وآية سورة فاطر ( 35 : 18 وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ، إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ ، وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) والآيات الكثيرة المعلقة للفلاح والخسر ودخول الجنة والنار بالاعمال ، والآيات الناطقة بأن الناس لا يجزون الا بأعمالهم ، وانما يجزون بأعمالهم ، هكذا بصيغتي الحصر الذي تعد دلالته أقوى الدلالات في بيان المراد - ولذلك عبر به عن التوحيد الذي هو أساس أركان الدين كلها ، وهذه القاعدة في الجزاء من أصول الدين وهي مرة للتوحيد أيضا كما بيناه في تفسيرها مفصلا وأشرنا فيه إلى بعض تلك الآيات أما هؤلاء المقلدون من المتأخرين فسبب غفلتهم وتأويلهم أنهم يحاولون